25 مارس / 26
أ/ حسن عبد الرحمن
باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية – الخرطوم
في الحروب الحديثة، لم تعد المعارك تُحسم فقط في ميادين القتال بالدبابات والطائرات، بل أصبحت “غرفة العمليات الإعلامية” لا تقل أهمية عن خنادق المواجهة. الإعلام العسكري اليوم هو السلاح “الناعم” الذي يوجه بوصلة الرأي العام، ويحمي الروح المعنوية، ويخوض غمار الحرب النفسية.
الأهداف الاستراتيجية للإعلام العسكري
الإعلام العسكري ليس مجرد أداة لنقل الأخبار، بل هو جزء أصيل من العقيدة القتالية، تتمثل أدواره في بناء الحاضنة الشعبية، وتعزيز الثقة بين الجيش والمواطنين، وضمان الالتفاف الشعبي حول القرارات المصيرية، والعمل على زعزعة ثقة العدو في قيادته وقدراته، وتحطيم معنويات العدو عبر بث الحقائق التي تظهر تفوق القوات المسلحة، بالإضافة إلى تعزيز الثقة بين الجيش والمواطنين وضمان الالتفاف الشعبي حول القرارات المصيرية. والعمل على تماسك الجبهة الداخلية ومنع تسلل اليأس أو الإحباط نتيجة الشائعات، وسد الفراغ المعلوماتي بالحقائق الموثقة (بالفيديو والصور) لقطع الطريق على التزييف الإعلامي المعادي.
معضلة التشتت الإعلامي وتعدد المنابر
مع الانفجار الرقمي وظهور وسائل التواصل الاجتماعي، برز تحدٍ خطير يتمثل في “التشتت الإعلامي”. التشتت يظهر عندما تتعدد الجهات التي تتحدث باسم المعركة دون تنسيق مركزي، مما يؤدي إلى تضارب الروايات عندما يصرح أكثر من مصدر بمعلومات متناقضة حول نفس الحدث، فتضيع المصداقية ويصاب الجمهور بالارتباك. وتعدد المنابر غير المنضبطة يتسبب بثغرات استخباراتية عبر تسريب معلومات ميدانية (تحركات، مواقع، أو أسماء) من غير قصد، مما يخدم استخبارات العدو. فالمنابر غير الرسمية تكون هدفاً سهلاً للهجمات السيبرانية.
التشتت الإعلامي يتسبب في غياب الخطاب الموحد، فغياب المركزية في الإعلام العسكري خلال الأزمات يخلق بيئة خصبة لما يُعرف بـ “ضباب الحرب” المعلوماتي، الذي تتمحور مخاطره في تآكل الهيبة وظهور قادة أو متحدثين بآراء شخصية تختلف عن الخط الرسمي للدولة، فبالتالي تظهر المؤسسة العسكرية وكأنها تعاني من انقسام داخلي. بالإضافة إلى خسارة المعركة الدولية وتغذية الشائعات، لأن النزاعات الحديثة تتنافس على كسب تعاطف المجتمع الدولي، والذي يتطلب خطاباً قانونياً وإنسانياً موحداً. فالتشتت يجعل الخطاب الإعلامي يبدو عشوائياً وغير احترافي. والصمت من الجهة الرسمية مع كثرة الاجتهادات من المنابر الجانبية يعطي فرصة للعدو لإطلاق “بالونات اختبار” وإشاعة الفوضى.
الإعلام العسكري السوداني
عند إسقاط مفاهيم الإعلام العسكري على حالة القوات المسلحة السودانية، نجد أننا أمام تجربة غنية بالدروس، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد منذ عام 2019، وصولاً إلى الحرب الدائرة منذ أبريل 2023 وصمود المؤسسة العسكرية السودانية الأسطوري في الحرب، إذ يتميز الجيش السوداني بخصائص فريدة تجعل من إعلامه العسكري أداة وجودية في معركة بقاء الدولة.
الإعلام العسكري السوداني ومعضلة تعدد المنابر
واجه الإعلام العسكري السوداني تحدياً كبيراً يتمثل في السيولة الإعلامية. فبسبب طبيعة الصراع، ظهرت عدة مستويات من الخطاب أدت أحياناً إلى تشتت الرؤية، مثل المنابر المساندة (المستنفرين والنشطاء)، بالرغم من دورها في رفع الروح المعنوية، إلا أن “السبق الصحفي” دفع ببعض الناشطين لنشر صور أو مواقع حساسة، مما أربك أحياناً الخطط الميدانية أو أعطى العدو إحداثيات مجانية. بالإضافة إلى إعلام الحركات المسلحة الحليفة للجيش، الذي ينعكس في تعدد القوى المنضوية تحت لواء “القوات المشتركة”، مما خلق أحياناً تعدداً في الروايات حول معركة واحدة، وهو ما يتطلب تنسيقاً عالياً لتوحيد المصدر.
أظهرت دراسة الحالة أن التشتت الإعلامي في حرب السودان الحالية أدى في بعض المراحل إلى كشف التحركات بسبب “البث المباشر” لبعض الجنود أو المؤيدين، في رصد تحركات عسكرية قبل اكتمالها. والتضليل المعنوي عن طريق بعض الصفحات “غير الرسمية” التي تدعي موالاة الجيش في نشر أخبار عن انتصارات وهمية أو “ساعات صفر” متكررة، مما أدى لنتائج عكسية وإحباط لدى الجمهور عند عدم تحققها.
لذلك، في تقديري، الإدارة الإعلامية المركزية هي الأمان لحل معضلة تعدد المنابر والتشتت الإعلامي العسكري. ضرورة حصر الأخبار الميدانية في “بيان الناطق الرسمي” فقط، والرقابة الرقمية عبر تدريب الجنود والمستنفرين على “الأمن السيبراني” ومخاطره العكسية، ومنع التصوير داخل المواقع العسكرية، ومنع التصريحات العسكرية بدون إذن من الإدارة المركزية للضباط والأفراد.
الخلاصة: “وحدة الرسالة جزء من وحدة الصف”
إن النجاح العسكري في الميدان يحتاج إلى غطاء إعلامي صلب يتسم بالمركزية والسرعة والمصداقية. تعدد المنابر في وقت الأزمات ليس دليلاً على حرية التعبير بقدر ما هو ثغرة أمنية قد تؤدي إلى نتائج كارثية. لذا، يظل “المتحدث العسكري الرسمي” هو الحصن الذي يحمي الحقيقة ويصون النصر.
حسن عبد الرحمن حسن موسى
باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية – الخرطوم
